محمد بن جرير الطبري
12
جامع البيان عن تأويل آي القرآن ( تحقيق شاكر )
لَتَنزيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نزلَ بِهِ الرُّوحُ الأمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ } [ سورة الشعراء : 192 - 195 ] . وإذْ كانت واضحةً صحةُ ما قلنا - بما عليه استشهدنا من الشواهد ، ودللنا عليه من الدلائل - فالواجبُ أن تكون معاني كتاب الله المنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، لمعاني كلام العرب موافقةً ، وظاهرُه لظاهر كلامها ملائمًا ، وإن باينه كتابُ الله بالفضيلة التي فضَلَ بها سائرَ الكلام والبيان ، بما قد تقدّم وَصْفُنَاهُ . فإذْ كان ذلك كذلك ، فبيِّن - إذْ كان موجودًا في كلام العرب الإيجازُ والاختصارُ ، والاجتزاءُ بالإخفاء من الإظهار ، وبالقلة من الإكثار في بعض الأحوال ، واستعمالُ الإطالة والإكثار ، والترداد والتكرار ، وإظهارُ المعاني بالأسماء دون الكناية عنها ، والإسرار في بعض الأوقات ، والخبرُ عن الخاصّ في المراد بالعامّ الظاهر ، وعن العامّ في المراد بالخاصّ الظاهر ، وعن الكناية والمرادُ منه المصرَّح ، وعن الصفة والمرادُ الموصوف ، وعن الموصوف والمرادُ الصفة ، وتقديمُ ما هو في المعنى مؤخر ، وتأخيرُ ما هو في المعنى مقدّم ، والاكتفاءُ ببعض من بعض ، وبما يظهر عما يحذف ، وإظهارُ ما حظه الحذف - ( 1 ) أن يكون ما في كتاب الله المنزل على نبيه محمد صلى الله عليه وسلم من ذلك ، في كلّ ذلك له نظيرًا ، وله مِثْلا وشبيهًا . ونحن مُبَيِّنو جميع ذلك في أماكنه ، إن شاء الله ذلك وأمدّ منه بعونٍ وقوّة .
--> ( 1 ) قوله : " أن يكون . . " مبتدأ قوله " فبين " ، وما بينهما اعتراض طويل ؛ وهذا دأب الطبري أبدًا ، حتى كأنه لم يكن يخشى على قارئ أن يسوء فهمه أو تكل فطنته .